محمود محمود الغراب

الرؤيا والمبشرات 4

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ، مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ . لا تَخافُونَ ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً . وقال تعالى عن يوسف عليه السلام إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ، قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ، إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثم قال تعالى في تمام القصة فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ، وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ، وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ففي قصة يوسف عليه السلام مثال على سلطان الخيال ، وكونه محل العمل في التلطيف والتكثيف ، مثّل الحق ليوسف عليه السلام عين إخوته وأبويه ، فأنشأ الخيال صورة الإخوة كواكب ، وصور الأبوين شمسا وقمرا ، وكلهم لحم ودم وعروق وأعصاب ، فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك ، ومن ظلمة الهيكل إلى نور هذه الكواكب ، فقد لطف الكثيف ، ثم عمد الخيال إلى مرتبة التقدم وعلو المنزلة والمعاني المجردة ، فكساها صور السجود المحسوس ، فكثف لطيفها ، والرؤيا واحدة ، فلو لا قوة هذه الحضرة ما جرى ما جرى ، ولولا أنها واسطة ما حكمت على الطرفين ، فإن الوسط حاكم على الطرفين ، لأنه حدّ لهما . ( ف ح 1 / 396 - ح 3 / 451 ) وقال تعالى في نفس قصة يوسف عليه السلام وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ، وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فقال يوسف عليه السلام لهما في تعبير رؤياهما يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ، قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ . وفي نفس السورة يقص علينا الحق رؤيا عزيز مصر فيقول تعالى وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ فيؤولها يوسف عليه السلام فيقول تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ، فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ